محمد متولي الشعراوي
2862
تفسير الشعراوى
وقوله الحق عن عيسى ابن مريم : « رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ » رد على غلو النصارى الذين نصبوه إلها أو جعلوه ابنا للّه أو ثالث ثلاثة ، فعيسى عليه السّلام هو ابن مريم وعندما بشرها به الحق وقالت : أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ( من الآية 47 سورة آل عمران ) قالت ذلك بفطنة الصديقية التي جعلتها تنبه إلى أنها لم يمسسها بشر ، وما دام الحق قد نسبه إليها فليس له أب ، سيولد عيسى دون أن يمسسها بشر ، ويوضح سبحانه ذلك عندما يقول : « إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ » . فعيسى روح من الحق ؛ لأنه سبحانه قال : فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا ( من الآية 91 سورة الأنبياء ) وما معنى « كَلِمَتُهُ » ؟ . هذا القول يدل على أن الروح نفخت ثم جاءت كلمة « كن » التي قال عنها سبحانه : إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( من الآية 47 سورة آل عمران ) لقد احتاج وجود عيسى إلى أمرين : « روح » و « كن » . والشبهة عند النصارى مردها إلى أن عنصر الذكورة لم يلمس مريم ؛ وقالوا : ما دام اللّه قد قال : إن عيسى روح منه فهو جزء من اللّه ، ونسوا أن كل شئ من اللّه ، وسبحانه القائل : وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ( من الآية 13 سورة الجاثية ) فهل هذا يعنى أن « الأرض » قطعة من اللّه وكذلك الشمس ؟ . لا . فإذا كانت الشبهة قد جاءت من غياب عنصر الذكورة مع وجود عنصر الأنوثة لكان من الواجب منطقيا أن تكون الشبهة في آدم قبل أن تكون الشبهة في عيسى ؛ لأن آدم جاء من غير ذكورة ولا أنوثة ؛ فلا أب له ولا أم له ؛ لقد قال القرآن بمنتهى البساطة ومنتهى الوسع :